إنه موسم التعري !
منذ حوالى الشهرين، تعرت مدونة مصرية ونشرت صورتها العارية معبرة عن مفهومها الخاص عن الحرية. ومنذ يومين عرى ضباط وجنود مصريون فتاة منتقبة أثناء انشغالهم بسحلها وضربها بوحشية. عروها فتعروا هم من شرف الجندية ومن كل معاني النخوة والرجولة. تعروا، وعروا من يعطيهم الأوامر، أولئك الذين أقسموا الولاء للثورة وللثوار، تعهدوا أن يحموا ثورة مصر ويعملوا كل ما بوسعهم لتحقيق أهدافها، ليتبين أن كل هذه كلمات جوفاء، كلمات هي أيضا “عارية” عن الصحة.
أول حادثة تعري في التاريخ تذكرها لنا التوراة في سفر التكوين والفضل الثالث:«فَرَاتِ الْمَرْاةُ (حواء) انَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلاكْلِ وَانَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ وَانَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَاخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَاكَلَتْ وَاعْطَتْ رَجُلَهَا (آدم) ايْضا مَعَهَا فَاكَلَ. (7) فَانْفَتَحَتْ اعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا انَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا اوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لانْفُسِهِمَا مَازِرَ. (8) وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الالَهِ مَاشِيا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ فَاخْتَبَا ادَمُ وَامْرَاتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الالَهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ. (9) فَنَادَى الرَّبُّ الالَهُ ادَمَ: «ايْنَ انْتَ؟». (10) فَقَالَ: «سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ لانِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَاتُ». (11) فَقَالَ: «مَنْ اعْلَمَكَ انَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ اكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي اوْصَيْتُكَ انْ لا تَاكُلَ مِنْهَا……………………..« (21)وَصَنَعَ الرَّبُّ الالَهُ لِادَمَ وَامْرَاتِهِ اقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَالْبَسَهُمَا. »
ما أن يرتكب الإنسان المعصية حتى يملأه شعور بالعري الأخلاقي، شعور بالخزي والعار، فيسارع إلى تغطية عورته بأي شيء في متناول يده حتى لو كان أوراق تين تذبل وتسقط بعد حين. ومثل الأزياء والملبوسات المختلفة هناك أنواع وموضات عديدة من أوراق التين يستخدها البشر لتجميل الذات وتغطية العورة. لعل واحد من أشهرها “التدين” ولا سيما التدين الشكلي الظاهر في الملابس وشعر الوجه…الخ، كثيرا ما يستخدم هذا النوع لتغطية الخواء الروحي والأخلاقي. كان رجال الدين في زمن المسيح (الفريسيون) يكثرون من اداء فروض وشعائر الدين ويشددون على مظاهره لكنهم كانوا يفتقرون إلى محبة الله ومحبة الآخر، فعلم المسيح تلاميذه قائلا «أَوَّلاً تَحَرَّزُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ الَّذِي هُوَ الرِّيَاءُ (2) فَلَيْسَ مَكْتُومٌ لَنْ يُسْتَعْلَنَ وَلاَ خَفِيٌّ لَنْ يُعْرَفَ. » لابد أن تسقط أوراق التين ولو بعد حين!
أما أكثر أوراق التين رواجا على الإطلاق فهو “الكذب” والقاء اللوم على الآخرين. إذ لا يكتفي الإنسان بارتكاب الخطيئة، بل يرتكب خطيئة قبيحة أخرى فوقها هي الكذب. ولعلكم لاحظتم الكم الهائل من أوراق التين الذي يطلقه الحكام وإعلامهم الرسمي هذه الأيام، ومع كل هذه الأكاذيب العرجاء لم ينجحوا في ستر عوراتهم واخفاء قبح جرائمهم التي قرأها وسمعها وشاهدها العالم كله.
ليس من بديل عن الصدق والشفافية في كل علاقاتنا حكاما كنا أم محكومين حتى تستقيم حياتنا. لاينفع الكذب والتنصل من المسؤولية، لايصلح مافسد بل يضاعف المفاسد. لاشيء يبقى سوى الحقيقة وحدها. فقط عندما نتضع ونُقبل إلى الله معترفين تائبين، يقبلنا، ونقبل من يده رداء العفو والبراءة الذي وحده يستر عرينا. ” لَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذَلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا.” عب 4 : 13 .